الذهبي

616

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

قال : كان لقاضي القُضاة الشّاميّ كِيسان ، أحدهما يجعل فيه عمامته ، وهي كتّان ، وقميصًا من القطن الخشن ، فإذا خرج لبسهما . والكيس الآخر فيه فتيت ، فإذا أراد الأكل جعل منه في قصْعة ، وجعل فيه قليلًا من الماء ، وأكل منه . وكان له كارك في الشّهر بدينار ونصف ، كان يقتات منه . فلمّا ولي القضاء جاء إنسان فدفع فيه أربعة دنانير ، فأبى ، وقال : لا أغيّر ساكني . وقد ارتبتُ بك ؛ لِمَ لا كانت هذه الزيادة قِبل القضاء ؟ وكان يشدّ في وسَطِه مِئْزرًا ، ويخلع في بيته ثيابه ، ويجلس . وكان يقول : ما دخلتُ في القضاء حتّى وجب عليّ ، وأعصي إن لم أقبله . وكان طُلّاب المنصب قد كثُروا ، حتّى أنّ أبا محمد التّميميّ بذل فيه ذهبًا كثيرًا ، فلم يُجب . وقال سبط الجوزيّ : لمّا مات الدّامغانيّ سنة ثمانٍ وسبعين أشار الوزير أبو شجاع على الخليفة أن يولّيه القضاء ، فامتنع ، فما زالوا به حتّى تقلَّده ، وشرط أن لا يأخذ رزقًا ، ولا يقبل شفاعة ، ولا يغيّر ملبوسه ، فأجيب إلى ذلك ، فلم يتغير حاله ، بل كان في القضاء كما كان قبله . وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ الْأَنْمَاطِيَّ يَقُولُ : كَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّامِيُّ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ ؛ مَا كَانَ يَتَبَسَّمُ فِي مَجْلِسِهِ ، وَيَقْعُدُ مُعْبِسًا ، فَلَمَّا مُنِعَتِ الشُّهُودُ مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِهِ ، وَقَعَدَ في بيته ، نفّذ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ الْمُعْتَزَلِيُّ : مَا عزلك الخليفة ، إنّما عزلك النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : كَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ قَالَ : " لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ " . وَأَنْتَ طُولُ عُمْرِكَ غَضْبَانُ . وقال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانيّ : كان حافظًا لتعليقة أبي الطّيّب ، كأنّها بين عينيه ، لم يقبل من سلطانٍ عطيّةً ، ولا من صديقٍ هدية . وكان يعاب بسوء الخلق والحدّة . وقال أبو عليّ بن سُكَّرَة : ورعٌ زاهدٌ ، وأمّا العِلْم فكان يقال : لو رُفِع مذهب الشّافعيّ أمكنه أن يُمْليه من صدْرِه . علّق عنه القاضي أبو الوليد الباجي .